أحمد بن علي القلقشندي

346

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

الناصريّ ، لولده المقام العاليّ السّيفيّ ، أحسن اللَّه لهما الاختيار ، وأجرى بإرادتهما اقتدار الأقدار - أن تزفّ أتمّ الشموس إلى ستوره الرفيعة ، وتصان أكمل معاقل العقائل بحجبه المنيعة ، وتحاط أشرف الدّرر في مستودعه ، وتناط أشرف الدّراريّ بمطلعه ، وتساق إليه الكريمة حسبا ، العظيمة بأبيه - عظَّم اللَّه سلطانه - أبا ، الذي كم له في خدمة الدولة القاهرة من مناقب كالنجوم ، ومذاهب تشبّه بها البرق فتشبّث بأذيال الغيوم ، ومراتب تقدّم فيها على كلّ نظير قال : وما منّا إلَّا من له مقام معلوم ؛ من قدره لا يسامى ولا يسام ، ورأيه لا يرامى ولا يرام ، وسيفه في غير طاعتنا الشّريفة لا يشيم ولا يشام ، وهو « سيف الدولة » لا كما يسمّى به من استعار ( 1 ) هذا اللَّقب في سالف الأيام ؛ كم له في مراضي سلطانه من رغبة بذل بها ما لديه ، وسمح فيها بولده وهو أحبّ شيء إليه ، وجاد بروحه أو بما هو أعزّ عليه ؛ كم نبّهت بعزائمه السّيوف من سناتها ، [ و ] كم وهبت من مكارمه الأيام ما يعدّ من حسناتها ؛ كم التهبت صوارمه نارا فجرت أنهارا فجّرت من جنباتها ؛ كم لسماء الملك بشهبه من حرس ، وبقضبه من قبس ، وكم قام وقعد في مصلحة وكان أدناهم من ملكه مقاما لمّا قام وأعلاهم مجلسا لمّا جلس ، فسمع المقام العاليّ السّيفيّ وأطاع ، وانتهى إلى ما برزت به مراسم والده - أنفذها اللَّه - وامتثل أمره المطاع ، وعمل برأيه الشريف وهو ناصر السّنّة فقدّم فيها ما استطاع ، وسارع إلى ما أمر اللَّه به من الألفة والاجتماع ، واتّبع السّنّة النّبويّة في تكثير الأمّة بذرّية أئمّة ملوكيّة كلّ واحد منها له الأمّة أتباع ، لعلمه اليقين أنه لو خطب له والده في أقطار الأرض إلى جميع الملوك ، لم يجد منهم إلا كلّ ملك عظيم وهو له عبد مملوك ، فأحيى سنّة شريفة ملوكيّة ما برحت الخلفاء والملوك تحفظ بها قلوب أوليائها على أمداد المدى ، ويكفي من هذا ميمون فعل « المأمون » لمّا

--> ( 1 ) الإشارة التعريضية هنا إلى سيف الدولة الحمداني .